
حراس الزمن: حكاية العبقرية التي نرتديها على معاصمنا
إن الحديث عن صناعة الساعات ليس مجرد رصد لآلات ميكانيكية، بل هو في جوهره تعبير عن الاحترام لأولئك الذين وهبونا "الزمن" في قالب من الجمال والدقة. هؤلاء المبدعون هم من حولوا الساعات من أدوات وظيفية صماء إلى قطع فنية وإرث حضاري، حيث نحمل ذكاءهم وشغفهم على معاصمنا كل يوم.
مدرسة جنيف: من "توربيون" بريغيه إلى "نوتيلوس" جينتا
في العالم السويسري، تنحني الذاكرة تقديراً لـ أبراهام-لوي بريغيه، الذي لم يكتفِ بوضع أسس الدقة، بل اخترع عام 1801 "التوربيون" (Tourbillon) ليتحدى جاذبية الأرض التي كانت تؤثر على دقة الساعات في جيوب الرجال.

أما هانز ويدزدورف (مؤسس رولكس)، فقد كان سيد "الاختبارات الواقعية". ففي عام 1927، لم يكتفِ بالإعلان عن ساعته المقاومة للماء، بل جعل السباحة البريطانية "مرسيدس جليتز" ترتديها وهي تعبر بحر المانش لمدة 10 ساعات، لتخرج الساعة من الماء وهي تعمل بدقة متناهية، معلنةً عصر الساعات الرياضية.

وفي السبعينيات، حين ظن الجميع أن الساعة الفولاذية لا يمكن أن تكون فاخرة، رسم جيرالد جينتا تصميم "رويال أوك" لشركة أوديمار بيغيه في ليلة واحدة فقط! استلهم تصميمها من خوذة الغواصين التقليدية، ليغير وجه الفخامة للأبد.

ولحقه العبقري جورج دانيالز، الذي قضى عقوداً في ورشته الصغيرة ليخترع "الميزان متحد المحور" (Co-Axial)، وهو الابتكار الذي جعل ساعات "أوميغا" اليوم تتفوق في تقليل الاحتكاك الميكانيكي، مما يطيل عمر الساعة لسنوات طويلة دون صيانة.

اليابان: ثورة "الكوارتز" وهدوء ”الثلج"
على الجانب الآخر، نجد في اليابان قصة احترام مبنية على "الدقة المطلقة". كينتارو هاتوري، مؤسس "سيكو"، لم يرد فقط صناعة ساعات، بل أراد التفوق على السويسريين في عقر دارهم. وفي ليلة عيد الميلاد عام 1969، أطلق ساعة "أسترون"، أول ساعة كوارتز في العالم، والتي كانت دقتها تذهل العقول لدرجة أنها هزت أركان الصناعة السويسرية بالكامل فيما عُرف بـ "أزمة الكوارتز".

ولكن اليابانيين لم ينسوا الفن؛ ففي مصنع "شينشو" التابع لـ غراند سيكو، يقوم الحرفيون بمراقبة تساقط الثلوج من نوافذهم ليصمموا ميناء ساعة "Snowflake" الشهير، حيث يتم نقش ملمس الثلج يدوياً بأسلوب فني ياباني عريق. أما كيكو إيبي ، المهندس وراء "G-Shock"، فقد كان يحمل حلماً بسيطاً: "صناعة ساعة لا تنكسر حتى لو سقطت من فوق مبنى". رمى فريقه بأكثر من 200 نموذج اختباري من نوافذ الطوابق العليا حتى وصلوا إلى التصميم النهائي الذي نراه اليوم على معاصم المغامرين.
![]()
آفاق ٢٠٢٦ فلسفة "ما بعد الوقت“
اليوم، وفي عام ٢٠٢٦، لم يعد السؤال "كم الساعة؟" بل "ماذا تحكي ساعتك؟". نرى ذلك في إبداعات ماكسيميليان بوسر (MB&F)، الذي يصمم ساعات على شكل "ضفادع" أو "سفن فضائية"، معتبراً أن الساعة هي "منحوتة ميكانيكية" تخبرنا عن شغف صاحبها أكثر من معرفته بالوقت الرقمي المتوفر في كل مكان.
وفي إطار المسؤولية تجاه الكوكب، تبرز شركات مثل أوريس (Oris) التي توظف التكنولوجيا لإعادة تدوير البلاستيك من المحيطات وتحويله إلى ميناءات ساعات فريدة (Aquis Upcycle)، حيث لا يوجد ميناء يشبه الآخر، مما يضيف بعداً أخلاقياً جديداً لمفهوم الفخامة.
هؤلاء الرواد لم يبنوا شركات، بل شيدوا عالماً من الثقة والذكريات. الساعة هي الكائن الوحيد الذي نقتنيه ونحن نعلم أنه قد يعيش أطول منا؛ فهي تنتقل من الأب إلى الابن، محملةً بحكايات العبقرية. إن كل نظرة على معصمنا في عام ٢٠٢٦ هي شكر ضمني لأولئك الذين لم يروا في الوقت مجرد أرقام، بل رأوا فيه فناً يستحق الخلود.



اترك تعليقًا
This site is protected by hCaptcha and the hCaptcha Privacy Policy and Terms of Service apply.